الشيخ محمد هادي معرفة

77

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لا شئ آخر سواه ، فلانعبّر عن أي جارحة من جوارحنا أو أي عضو من أعضائنا الجسدية ، ب - « أنا » سواء أكانت أعضاء داخليّة كالقلب والكبد والمخ والمعدة وأمثالها ، أو كانت أعضاء خارجيّة كالرأس واليد والرجل والبطن وأمثالها كلّ ذلك لايصحّ التعبير عنه ب - « أنا » بل ولا عن الجسم كلّه . نعم عندما نريد النفس والذات - وهو وجود باطن حقيقيّ أصيل - نقول : أنا . فالإنسان في كينونة ذاته وجود آخر غير وجوده الجسدي الظاهر . * الإنسان يسند جميع ما في وجوده الجسدي - سواءً كانت خارجيّة أم داخليّة - إلى نفسه ، فيقول : رأسي ، يدي ، رجلي ، قلبي ، مخّي ، بدني ، وهذا « المضاف إليه » في جميع ذلك ، شيء وراء تلك « المضافات » كلّها . الأمر الذي يدلّ على تباين ما بين الجسد وذلك الوجود الحقيقيالأصيل المنسوب إليه تلكم الأشياء . وأمّا إضافة النفس أو الروح إلى الذات : « نفسي » ، « روحي » فهي من إضافة الشيء إلى نفسه كما في « ذاتي » بشهادة الوجدان بعدم فهم تغاير ما بين المضاف والمضاف إليه في ذلك ، على عكسها في إضافة أعضاء الجسد إلى النفس . * الإنسان ينسب جميع أفعاله وتصرّفاته وهكذا جميع حالاته وصفاته إلى نفسه ، يقول : تكلّمت ، تعلّمت ، أعطيت ، أخذت ، سافرت ، ذهبت ، بعت ، اشتريت . . . لا يريد بذلك إسنادها إلى شيء من جوارحه ، لا يريد أنّ لسانه هو الذي تكلّم . أوقلبه هو الذي تعلّم . أويده هي التي أعطت أو أخذت . أورجله هي التي مشت أو ذهبت وإنّما يريد أنّه بذاته فعل هذه الأُمور ، وكانت جوارحه آلات توصّل بها إلى مآربه وحاجاته . فكلّ أحد يجد من نفسه وجودا - وراء هذه الأعضاء الجسديّة - هو الذي يفعل ويتصرّف وينسب إليه جميع حالاته وتقلّباته . * إنّا نوجّه الخطاب أو التكليف ، وكلّ مايستتبعه من مدح أو ذمّ أو تحسين أو تقبيح ، وكذا كلّ أمر أو نهي أو بعث أو زجر ، إلى الإنسان ، لا نريد به جسده ولا شيئا من أعضائه وجوارحه . وإنّما نريد بذلك ذاته ونفسه ، وهوالمقصود بقولنا : « أنت » لا شئ آخر .